ابن قتيبة الدينوري

35

الشعر والشعراء

من حقه عليهم أن لا ينقدوه ، وأن لا يتحدثوا عنه - إن أذن لهم في الحديث - إلا برفق ولين وملق ونفاق ، مما يسمونه في هذا العصر العجيب « مجاملة » ! ! لقد رجوت الأستاذ السيد صقر أن ينقد الجزء الأول من « الشعر والشعراء » حين صدوره ، وقرأت نقده قبل أن يطبع في مجلة « الكتاب » الغراء ، ولم أجد في هذا غضاضة علىّ قط ، وإن كثيرا من إخواني ليعرفون هذا الذي أقول ، وقد عجبوا منه في حينه ، ولم أره موضعا للعجب . ثم رجوته أن ينقد الجزء الثاني حين صدوره أيضا . ولم أر في نقده ما يمسنى من قريب أو من بعيد . وهذا رأيي الذي ربيت عليه واعتنقته طول حياتي : أن لي أن أنقد آراء الناس في حدود ما أستطيع من علم ، وأن لهم أن ينقدوا آرائى في حدود ما يستطيعون من علم . وسأذكر بعض المثل ، عسى أن يكون فيها عظة وعبرة : يذكر الناس ما يدور كل عام مرارا من جدال حول إثبات أوائل الشهور العربية : أبالرؤية أم بالحساب . وكتب الناس في هذا كثيرا ، وكتبت مرارا . وكان من رأيي التمسك بالرؤية وحدها ، وكان هذا رأى والدي الشيخ محمد شاكر رحمه الله ، وكتب فيه وشدد . ثم بدا لي غير ذلك ، في حياة أبى . فنشرت رسالة صغيرة في شهر ذي الحجة سنة 1357 ه ( فبراير سنة 1939 م ) ، اسمها « أوائل الشهور العربية » . وكان مما قلت فيها ( ص 15 ) بالحرف الواحد : « لقد كان للأستاذ الأكبر الشيخ المراغي - منذ أكثر من عشر سنين ، حين كان رئيس المحكمة العليا الشرعية - رأى في رد شهادة الشهود ، إذا كان الحساب يقطع بعدم إمكان الرؤية ، كالرأى الذي نقلته هنا عن تقى الدين السبكي . وأثار رأيه هذا جدالا شديدا ، وكان والدي وكنت أنا وبعض إخواني ممن خالف الأستاذ الأكبر في رأيه . ولكني أصرح الآن بأنه كان على صواب ، وأزيد عليه وجوب إثبات الأهلة بالحساب ، في كل الأحوال ، إلا لمن استعصى عليه العلم به » . فلم أجد غضاضة على والدي رحمه الله - في علمه وفضله الذي يعرفه الجم الغفير من الناس - أن أعلن في كتاب منشور خلاف رأيه ورأيي ،